الشيخ حسن الجواهري
154
بحوث في الفقه المعاصر
ذكر المشهور . والحق أن يقال : بإمكان التمسك بالحل في المشتبه بالتماثل وذلك للشك في ربويته وحرمته ، والأصل العملي هو عدم كونه ربوياً وحراماً ، وبهذا يتنقح موضوع التمسك بالعموم الفوقاني لأوفوا بالعقود وأمثالها . وأما إشتراط الحل بالاختلاف فهو لا يمكن الالتزام به هنا لأن الاختلاف غير محرز أيضاً ، ولا أصل عملي ينقح لنا موضوع التمسك بالحرمة ، فلا يجوز الرجوع إلى عمومات التحريم . ولعله لهذا ذكر في الجواهر اقتصار الأصحاب الشرطية في المحرم دون غيره ( 1 ) . وقد يقال : بأن الأصل العملي هنا هو عدم الانتقال ( لا عدم كونه ربوياً ) إذا شككنا في الانتقال وعدمه فالأصل عدم النقل والانتقال ، فلا يتنقح موضوع التمسك بالعموم الفوقاني لأوفوا بالعقود . والجواب : إن هذا الأصل مسببي ، لأنه مسبب عن أن هذا العقد الذي حصل بين الشيئين الذي نشك في تماثلهما هل هو عقد ربوي أو غير ربوي ( 2 ) فإن كان الأصل في السبب يقول لم يكن العقد ربوياً ولو قبل التشريع ، فلا شك في الانتقال وعدمه ، وحينئذ يتنقح موضوع ( أوفوُا بِالْعُقُود ) ( 3 ) ولولا هذا الأصل اللفظي لكان المورد
--> ( 1 ) الجواهر : 23 / 340 . ( 2 ) أي نشك في وجود شرط في هذا العقد أم لا ؟ فالأصل عدم الشرطية الزائدة ، أي عدم كونه ربوياً . ( 3 ) زيادة توضيح : إن الموارد التي يقع البيع عليها ونشك إنها متماثلة أو مختلفة راجعة إلى الشك في شرطية الاختلاف في هذا البيع ، فإن أجرينا إصالة عدم الشرط الزائد في هذا البيع يكون المورد حينئذ من موارد التمسك ب ( أوفوُا بِالْعُقُود ) . وتوضيح ذلك ، إننا إذا شككنا في بيع قد وقع هل يشترط في صحته الاختلاف إذا بيع متفاضلا أم لا ؟ فإذا أجرينا أصالة عدم اعتبار الشرط الزائد تنقح موضوع ( أوفوُا بِالْعُقُود ) و ( أحَلَّ اللهُ الْبِيْع ) . فإن قيل : ماذا تقولون في ما يقوله المشهور من إصالة الفساد في المعاملات ؟ قلنا : للتغلب على ذلك يوجد حلان : ( الحل الأوّل ) أن أصالة الفساد في المعاملات محكومة بأصل عدم اعتبار الشرط الزائد بمعنى أن أصل عدم اعتبار الشرط الزائد ( الاختلاف ) ينقح موضوع إطلاقات صحة المعاملة كأوفوا بالعقود وأحَلَّ الله البيع ومع وجود الأصل اللفظي لا ينتهى الدور إلى أصالة الفساد . نعم غاية الأمر الحكومة متوقفة على أمرين ، الأوّل : أن يكون أصل عدم اعتبار الشرط الزائد في رتبة الموضوع لأصالة الفساد ، وأن يكون منشأ الشك في الموضوع لأصالة الفساد مسبباً شرعياً عن الشك في أصالة عدم اعتبار الشرط الزائد . الثاني : أن يكون له أثر شرعي . أما الأمر الأول فحاصل لأن الشك في الفساد مسبب عن الشك في اعتبار الشرط الزائد ، إلاّ أن التسبب ليس شرعياً « كما في محكومية استصحاب نجاسة اليد المغسولة بماء مستصحب الطهارة » بل أن التسبيب عقلي لأن العقل يحكم بعد ما جعل الشارع الاختلاف شرطاً للعقد المؤثر في البيع مع التفاضل بأن الشرط إذا انتفى انتفى المشروط ، وإذا وجد الشرط وجد المشروط . وأما الأمر الثاني فقد يقال بعدمه لأن مجرد عدم الشرط الزائد لا يثبت مؤثرية الأجزاء الأخرى إلاّ بالأصل المثبت كما أن أصل عدم جزئية السورة مثلا لا يثبت أن المطلوب هو الأجزاء الأخرى ، ولذلك فلا بدّ من حل لهذه المشكلة ، ولهذا احتجنا إلى الحل الثاني وهو العمدة ( الحل الثاني ) إن العقد الفاقد للشرط المشكوك ( الاختلاف ) ما دمنا لا نشك في صدق ( البيع ) عليه عرفاً فهو مشمول لإطلاقات صحة المعاملة ك ( أوفوُا بِالْعُقُود ) وأما احتمال اعتبار الشرط الزائد فهو ملغى باطلاق الدليل الذي هو نفى احتمال القيود المشكوكة والشروط المشكوكة . نعم يبقى موارد لأصالة الفساد في المعاملة وهى موارد الشك في الصدق العرفي ، كما إذا كان الشرط المشكوك ركناً يخل بالصدق العرفي للمعاملة ، وحينئذ لا يمكن التمسك بالإطلاق فينتهي الدور إلى الأصل العملي وهو أصالة الفساد ، ولا تكون أصالة الفساد محكومة لأصالة عدم اعتبار الشرط الزائد ، لأن هذا الأصل لو كان راجعاً إلى إطلاق أدلة صحة العقد فالمفروض عدم إحراز شمول الإطلاق للمقام ، ولو كان أصلا مستقلا مثلا فهو لا يفيد لأنه لا يثبت صحة العقد .